متى يصبح استعمال الحق تعسفًا في النظام السعودي؟
وجود الحق لا يعني أن لصاحبه حرية مطلقة في طريقة استعماله. فقد يكون الحق ثابتًا من الناحية النظامية، ومع ذلك يصبح استعماله تعسفيًا إذا تجاوز غايته المشروعة أو استُخدم للإضرار بالغير.
وقد وضع نظام المعاملات المدنية السعودي إطارًا واضحًا لهذه المسألة، يوازن بين حماية الحقوق ومنع إساءة استعمالها.
الأصل: الاستعمال المشروع للحق لا يرتب المسؤولية.
تميّز المادتان 28 و29 من نظام المعاملات المدنية بين الاستعمال المشروع والتعسف. وتنص المادة 28 على أن:
«من استعمل حقه استعمالًا مشروعًا لا يكون مسؤولًا عما ينشأ عن ذلك من ضرر.»
وبالتالي، فإن مجرد وقوع الضرر لا يكفي لقيام المسؤولية. فالمعيار هو ما إذا كان الحق قد استُعمل في حدوده وبطريقة مشروعة.
متى يكون استعمال الحق تعسفيًا؟
قررت المادة (29) من النظام عدم جواز التعسف في استعمال الحق، وحددت ثلاث حالات رئيسية:
إذا كان القصد الوحيد من استعمال الحق الإضرار بالغير.
إذا كانت المنفعة من استعمال الحق لا تتناسب مطلقًا مع الضرر الذي يلحق بالغير.
إذا استُعمل الحق لغير ما شُرع له أو لتحقيق غاية غير مشروعة.
وهنا يظهر الفرق بين وجود الحق ومشروعية استعماله؛ فقد يكون الحق ثابتًا، بينما تكون طريقة استعماله أو الغاية منه محل مساءلة.
الأساس الشرعي للمبدأ:
يتفق منع التعسف في استعمال الحق مع أصول الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، وما يرتبط بها من قواعد تهدف إلى منع الضرر وإزالته.
ويعكس ذلك انسجام التنظيم المدني السعودي مع المبادئ الشرعية التي تمنع استخدام الحقوق وسيلة للإضرار بالآخرين.
كيف يثبت التعسف أمام القضاء؟
لا يكفي الادعاء بأن الطرف الآخر تعسف في استعمال حقه، بل يجب إثبات الوقائع والقرائن التي تضع التصرف ضمن إحدى الحالات المحددة في النظام.
وقد يشمل ذلك إثبات قصد الإضرار، أو عدم التناسب بين المنفعة والضرر، أو استعمال الحق لغير غرضه المشروع أو لتحقيق غاية غير مشروعة.
لذلك، تعتمد قوة دعوى التعسف على ربط الوقائع والأدلة بالمعيار النظامي المنطبق على الحالة.
ما أثر ثبوت التعسف؟
إذا ثبت التعسف في استعمال الحق، فقد تترتب مسؤولية المتعسف عن الضرر الناتج عن تصرفه، بما في ذلك التعويض متى توافرت شروطه. كما قد يترتب، بحسب طبيعة النزاع والنصوص النظامية المنطبقة، منع التصرف الضار أو إزالة أثره أو عدم الاعتداد بالأثر الناتج عنه.
ولا يوجد جزاء واحد يطبق على جميع حالات التعسف؛ بل يتحدد الأثر القانوني وفقًا لطبيعة الحق والتصرف والضرر والطلبات المطروحة أمام المحكمة.
كيف يظهر التعسف في العقود والمعاملات التجارية؟
تزداد أهمية هذا المبدأ في العلاقات التجارية، خصوصًا عندما يمنح العقد أحد الأطراف حقًا أو صلاحية تؤثر في الطرف الآخر.
وقد تثار مسألة التعسف، بحسب ظروف كل حالة، في صور عملية مثل:
التمسك بشرط جزائي بطريقة تتجاوز الغاية المشروعة منه.
استعمال حق إنهاء العقد بقصد الإضرار بالطرف الآخر أو لتحقيق غاية غير مشروعة.
الامتناع عن التوقيع أو التسليم رغم وجود التزام تعاقدي أو نظامي بذلك.
استعمال صلاحية تعاقدية لغاية تختلف عن الغرض الذي مُنحت من أجله.
ولا تعد هذه التصرفات تعسفًا بمجرد وقوعها؛ بل يجب تقييم كل حالة في ضوء العقد، والنظام الحاكم، ومصدر الحق، والغرض منه، وطريقة استعماله، والضرر الناتج عنه.
وبالتالي:
يحمي النظام السعودي الحقوق المشروعة، لكنه لا يحمي التعسف في استعمالها. فليس كل ضرر ناتج عن استعمال الحق موجبًا للمسؤولية، كما أن وجود الحق لا يبرر استخدامه للإضرار بالغير أو لتحقيق غاية غير مشروعة.
وعند نشوء النزاع، لا يكون السؤال فقط:
هل يملك الشخص هذا الحق؟
بل أيضًا:
كيف استعمله، ولأي غرض؟