Skip to main content
Back to Blog
سلسلة العقود 12 July 2026 5 min read

تفسير العقود أمام القضاء السوري

إن تفسير العقود أمام القضاء السوري لا يهدف إلى تعديل الاتفاق أو استبدال إرادة الأطراف، وإنما إلى الكشف عن الإرادة المشتركة الحقيقية التي قام عليها العقد.

تفسير العقود أمام القضاء السوري

القواعد القانونية التي تعتمدها المحاكم في النزاعات التعاقدية

تُعد العقود الأساس الذي تقوم عليه المعاملات المدنية والتجارية، فهي الأداة التي تحدد حقوق الأطراف والتزاماتهم. ومع ذلك، لا تنشأ كثير من النزاعات من غياب العقد، بل من اختلاف الأطراف في فهم عباراته أو تحديد المقصود من التزاماتهم المتبادلة.

ومن هنا، أولى القانون المدني السوري والقضاء السوري أهمية كبيرة لقواعد تفسير العقود، واضعين مجموعة من المبادئ التي تُمكن القاضي من الوصول إلى الإرادة الحقيقية للمتعاقدين وتحقيق العدالة التعاقدية.

لذلك يستعرض هذا المقال القواعد التي يعتمدها القضاء السوري عند تفسير العقود، مع بيان الحالات التي يتدخل فيها القاضي، والمعايير التي يستند إليها، والأخطاء العملية التي يمكن أن تؤدي إلى النزاع.

ما المقصود بتفسير العقد؟

يقصد بتفسير العقد بيان المعنى الحقيقي لعباراته وتحديد المقصود من الالتزامات التي اتفق عليها الطرفان، وذلك عندما تكون نصوص العقد غامضة أو متعارضة أو تحتمل أكثر من معنى.

ولا يُلجأ إلى التفسير إذا كانت عبارات العقد واضحة وصريحة، لأن الأصل هو احترام ما اتفق عليه المتعاقدان.

الأصل: العقد شريعة المتعاقدين.

يقوم القانون المدني السوري على مبدأ أساسي يتمثل في أن العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو في الأحوال التي يقررها القانون، وهو مبدأ يرتبط كذلك بوجوب تنفيذ العقد وفق ما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع حسن النية.

العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو في الأحوال التي يقررها القانون.

ويعني ذلك أن القاضي لا يملك إعادة صياغة العقد أو استبدال إرادة المتعاقدين بإرادته، وإنما يقتصر دوره على تفسير ما اتفق عليه الطرفان متى كان ذلك ضرورياً.

ويُعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي تحقق استقرار المعاملات المدنية والتجارية.

متى يتدخل القاضي لتفسير العقد؟

يتدخل القضاء عند وجود أحد الحالات الآتية:

  • غموض إحدى العبارات.

  • تعارض بنود العقد.

  • وجود أكثر من تفسير محتمل.

  • عدم وضوح نطاق الالتزامات.

  • وجود تناقض بين العقد والوقائع التي رافقت تنفيذه.

أما إذا كانت ألفاظ العقد واضحة ولا تحتمل إلا معنى واحداً، فلا يجوز العدول عنها بحجة البحث عن إرادة مختلفة.

كيف يفسر القاضي العقد؟

أولاً: البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين:

لا يقتصر القاضي على التفسير الحرفي لعبارات العقد، وإنما يبحث عن الإرادة الحقيقية المشتركة للطرفين وقت التعاقد.

ولذلك قد يستعين بـ:

  • المفاوضات السابقة على التعاقد.

  • المراسلات المتبادلة.

  • طبيعة العلاقة بين الطرفين.

  • الغرض الاقتصادي للعقد.

  • طريقة تنفيذ العقد بعد توقيعه.

  • الأعراف والعادات التجارية السائدة.

فالغاية ليست تفسير الكلمات مجردة، وإنما الكشف عن المقصود الحقيقي منها.

ثانياً: تفسير العقد كوحدة واحدة:

لا يجوز تفسير بند بمعزل عن بقية البنود.

بل يجب قراءة العقد كاملاً بحيث يُفسر كل شرط في ضوء باقي الشروط، لأن العقد يمثل وحدة قانونية متكاملة.

وقد يؤدي اقتطاع عبارة واحدة من سياقها إلى تفسير يخالف إرادة الطرفين.

ثالثاً: الأخذ بطبيعة التعامل:

يراعي القضاء طبيعة العقد ذاته.

فعقد المقاولة يختلف عن عقد البيع، وعقد الوكالة يختلف عن عقد الاستثمار أو عقد التوريد، ولكل منها طبيعة قانونية خاصة تؤثر في تفسير الالتزامات الناشئة عنه.

رابعاً: الاستعانة بالعرف:

إذا خلا العقد من تنظيم مسألة معينة، أو كانت عباراته غير كافية لحسم النزاع، جاز للقاضي الرجوع إلى العرف المدني أو التجاري المستقر، متى كان ثابتاً وغير مخالف للنظام العام أو لنص آمر أو لاتفاق صريح بين الطرفين.

ويكتسب العرف أهمية خاصة في العقود التجارية والمقاولات والعقود الدولية.

تفسير الشك لمصلحة المدين.

إذا بقي الغموض قائماً بعد تطبيق قواعد التفسير، فإن الأصل أن يُفسر الشك لمصلحة المدين، باعتبار أن الالتزام لا يُفترض ولا يجوز التوسع فيه.

إلا أن هذه القاعدة لا تطبق على إطلاقها، إذ قد تقتضي طبيعة بعض العقود، ولا سيما عقود الإذعان، تفسير الشك لمصلحة الطرف المذعن حمايةً له من الشروط التي لم يكن له دور في صياغتها.

دور حسن النية في تفسير العقود.

يلتزم المتعاقدان بتنفيذ العقد وفقاً لمبدأ حسن النية، ويؤثر هذا المبدأ في فهم نطاق الالتزامات وآثارها، بما يمنع التفسير الذي يفضي إلى التعسف في استعمال الحق أو إلى تحميل أحد الطرفين التزاماً لا ينسجم مع طبيعة العقد وملابساته.

ولا يقتصر هذا المبدأ على مرحلة تنفيذ العقد، بل يمتد إلى تفسيره، بحيث يُستبعد أي تفسير يؤدي إلى التعسف في استعمال الحق أو إلى تحقيق منفعة غير مشروعة لأحد الطرفين على حساب الآخر.

وقد استقر الفقه والقضاء على أن حسن النية يمثل معياراً أساسياً في تحديد نطاق الالتزامات العقدية.

أمثلة عملية:

المثال الأول:

نص العقد على تسليم البضاعة "خلال شهر".

وادعى البائع أن المقصود ثلاثون يوماً من تاريخ التصنيع، بينما تمسك المشتري بأن المقصود ثلاثون يوماً من تاريخ توقيع العقد.

في هذه الحالة يبحث القاضي في:

  • مراسلات الطرفين.

  • أوامر الشراء.

  • طريقة التعامل السابقة.

  • الأعراف التجارية.

ثم يحدد الإرادة المشتركة للطرفين.

المثال الثاني:

أبرمت شركة عقد مقاولة دون النص صراحة على مسؤولية إزالة المخلفات بعد انتهاء التنفيذ.

إذا جرى العرف في هذا النوع من العقود على تحمل المقاول لهذه المسؤولية، فقد يأخذ القضاء بهذا العرف عند تفسير العقد.

أخطاء شائعة تؤدي إلى النزاعات:

من أكثر أسباب الخلافات أمام المحاكم:

  • استخدام عبارات عامة وغير محددة.

  • ترجمة العقود ترجمة غير دقيقة.

  • تعارض البنود.

  • نسخ نماذج عقود دون تعديلها بما يتناسب مع طبيعة العلاقة.

  • إغفال تعريف المصطلحات الفنية.

  • عدم النص على آلية واضحة لحل النزاعات.

ولهذا فإن الصياغة القانونية الدقيقة تمثل الوسيلة الأولى للحد من المنازعات.

كيف تتجنب الخلاف حول تفسير العقد؟

يمكن الحد من النزاعات من خلال:

  • استخدام لغة قانونية واضحة ودقيقة.

  • تعريف المصطلحات الجوهرية.

  • تجنب العبارات المحتملة لأكثر من معنى.

  • تنظيم جميع الحقوق والالتزامات بصورة مفصلة.

  • تحديد القانون الواجب التطبيق وجهة الفصل في النزاعات.

  • مراجعة العقد من قبل محامٍ قبل التوقيع.

الخلاصة:

إن تفسير العقود أمام القضاء السوري لا يهدف إلى تعديل الاتفاق أو استبدال إرادة الأطراف، وإنما إلى الكشف عن الإرادة المشتركة الحقيقية التي قام عليها العقد.

ولذلك يعتمد القاضي على مجموعة من القواعد القانونية والموضوعية، وفي مقدمتها وضوح العبارات، والإرادة المشتركة للمتعاقدين، وحسن النية، والعرف، وطبيعة التعامل، بما يحقق التوازن بين حماية الإرادة العقدية وتحقيق العدالة.

ومن الناحية العملية، تبقى الصياغة القانونية الدقيقة للعقود أفضل وسيلة لتجنب الخلافات وتقليل احتمالات اللجوء إلى القضاء. فكلما كانت الحقوق والالتزامات محددة بوضوح، كان تفسير العقد أقرب إلى إرادة الأطراف وأقل عرضة للنزاع، وهو ما يجعل الاستعانة بمتخصص في إعداد العقود ومراجعتها خطوة وقائية لحماية الحقوق قبل نشوء الخلاف.

تنبيه: يهدف هذا المقال إلى تقديم عرض عام لقواعد تفسير العقود في القانون السوري، ولا يُعد استشارة قانونية لحالة محددة. وقد تختلف النتيجة القانونية بحسب نصوص العقد والوقائع والمستندات المتوافرة واجتهاد المحكمة المختصة.

تفسير العقود، القضاء السوري، القانون المدني السوري، العقد شريعة المتعاقدين، حسن النية في العقود، النزاعات التعاقدية.

المراجع

  1. القانون المدني السوري، المرسوم التشريعي رقم (84) لعام 1949، ولا سيما الأحكام المتعلقة بتفسير العقود، ومبدأ العقد شريعة المتعاقدين، وتنفيذ العقود بحسن نية.
    https://www.wipo.int/wipolex/ar/legislation/details/10917

  2. الموسوعة القانونية السورية – نظرية العقد وتفسير العقود في القانون المدني السوري.
    https://arab-ency.com.sy/law

This article is for awareness purposes only and does not constitute legal advice. For advice on your specific situation, please consult a qualified lawyer.
حقوق النشر والملكية محفوظة لكاونسيلو

Trust and transparency

Why clients choose CounselO

Clear information about experience, service delivery, confidentiality, and representation scope before a consultation begins.

Experienced legal leadership

CounselO was founded and is led by Lawyer and Legal Counsel Omar Al-Baghdadi, with a stated 30+ years of legal experience.

Extensive practical experience

CounselO states that its team has handled more than 20,000 cases and consultations across multiple practice areas.

Clear representation model

When a Saudi matter requires attendance, CounselO coordinates with a licensed cooperating Saudi law office within the agreed engagement.

Arabic and English

Legal consultations and document review are available in both Arabic and English.

Professional confidentiality

Client information and legal documents are treated as confidential, and only information needed to assess the matter is requested.

Transparent service scope

A consultation alone does not create a court-representation mandate; representation requires a separate agreement defining the work.