التوقيع على بياض
رأي السنهوري في موضوع التوقيع على بياض
رأي السنهوري في قيمة التوقيع على بياض
"وقد يضع صاحب الشأن توقيعه على الورقة العرفية قبل كتابتها، فيقال عندئذ إنه وقع على بياض. ويكون قد قصد بذلك أن يعهد الطرف الآخر أن يكتب فوق التوقيع البيانات التي اتفق معه على عناصرها الجوهرية وترك إليه استكمال تفصيلاتها على أسس معينة مثل ذلك أن يوقع شخص شيكا على بياض المصلحة شخص آخر له معه حساب جار، ويعهد إليه أن يضع الرقم الدال على قيمة الشيك بمقدار ما على موقع الشيك من رصيد الحساب الجاري بعد تصفيته. ومن ثم يكون من وقع على بيان قد وثق في صاحبه واطمأن إلى أمانته، ومن هنا يجئ الخطر في التوقيع على بياض إذا خان الأمانة من أؤتمن.
ومهما يكن من أمر فإن التوقيع على بياض صحيح. وهو من شأنه أن يكسب البيانات التي ستكتب بعد ذلك فوق هذا التوقيع حجية الورقة العرفية، فإن هذه الحجية تستمد كما قدمنا من التوقيع لا من الكتابة، فيستوى أن تكون الورقة قد كتبت قبل التوقيع أو بعده. والمهم أن من يوقع الورقة يوقعها بخطه، ويقصد من توقيعها أن يرتبط بالبيانات التي سترد في الورقة.
على أن من يؤتمن على هذا التوقيع يجب عليه أن يراعى الأمانة، فلا يضع في الورقة بيانات غير ما اتفق عليه مع الموقع، وإلا عوقب جنائيا.
أما من الناحية المدنية فعبء إثبات تسليم الورقة الموقعة على بياض وخيانة من تسلمها يقع على من وضع توقيعه على بياض ويراعى في ذلك القواعد المقررة في الإثبات.
ذلك أنه إذا ما كتبت الورقة البيضاء بعد التوقيع عليها، أصبحت قيمتها في الإثبات قيمة الورقة العرفية التي لم توقع إلا بعد أن تمت كتابتها. ولكن يبقى للمدين الحق في أن يثبت أنه إنما سلم توقيعه على بياض للدائن وأن ما كتبه هذا فوق التوقيع لم يكن هو المتفق عليه بينهما. ويكون إثبات ذلك طبقا للقواعد العامة، أى أنه لا يجوز إثبات عكس المكتوب إلا بالكتابة. فإذا استطاع هذا الإثبات، فقدت الورقة حجيتها فيما بينهما. ولكنها لا تفقد هذه الحجية بالنسبة إلى الغير حسن النية فمن تعامل مع متسلم الورقة معتقدا أنها ورقة صحيحة، فحولت إليه مثلا، جاز له أن يتمسك بحجية الورقة في حق من وقع على بياض، ويرجع الموقع، على من أساء استعمال توقيعه.
ولكن إذا كان التوقيع على بياض ذاته قد تم الحصول عليه من غير علم صاحب التوقيع ولم يقصد الموقع أن يسلم توقيعه على بياض إلى من أساء استعمال هذا التوقيع، بل حصل عليه هذا خلسة، كان التوقيع نفسه غير صحيح، وكانت الورقة باطلة، وعوقب من أساء استعمال التوقيع بعقوبة التزوير (م ٣٤٠ عقوبات). ولصاحب التوقيع أن يثبت هذا الاختلاس بجميع الطرق، ومنها البيئة والقرائن، لأنه إنما يثبت غشا، فإذا ما أثبت ذلك فإن الورقة تسقط في حجيتها في حقه بعد أن انكشف بطلانها. بل إن الغير حسن النية الذي تعامل مع المختلس على أساس أن الورقة صحيحة لا يستطيع أن يتمسك بحجية الورقة في حق صاحب التوقيع، ذلك أن صاحب التوقيع لم يسلم توقيعه على بياض للمختلس، كما فعل في الحالة السابقة، بل اختلس منه التوقيع اختلاسا، فلا يمكن أن ينسب إليه أي إهمال."
(أ.د. عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – المجلد الأول – ج2 – نظرية الالتزام بوجه عام – طبعة دار مصر 2021 – ص 158 إلى 161)
باشراف المحامون بغدادي
Baghdadilaw.co